سميح عاطف الزين

234

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

لا يرغب في تلك الساعة بشيء أكثر من الركون إلى الراحة ، والنوم في سبات عميق ، فطلب إلى زوجه أن تهيّء له فراشه ، وتغطيّه جيدا وهو يقول لها : « زمّلوني ، زمّلوني » . وأسرعت زوجه الفاضلة تلبّي أمره . ثم جلست إليه ، كعادتها بعد رجوعه من عبادته ليقصّ عليها ما حصل معه فأخبرها بنزول الوحي عليه ، وبعثه من اللّه تعالى نبيا ورسولا ، وكيف أتاه جبريل الأمين في المنام أولا ، وكيف رآه جهرة وعلى تلك الصورة العظيمة التي تسد ما بين الأرض والسماء ، وما نقل إليه عن ربه تبارك وتعالى من آيات كريمة ، ومن تبليغ بأنه رسول اللّه . وشعرت خديجة بنفس الاطمئنان الوجداني الذي كان يملأ كيان زوجها . لقد أنصتت إليه بكل جوارحها ، فما زادها الأمر إلّا إيمانا وتصديقا ، فرنت إليه بنظرة ملؤها الحب والثقة ، وهي تقول : « أبشر يا ابن عمّ ، وأثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة « 1 » ! واللّه لا يخزيك اللّه تعالى أبدا . إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الدهر » . وما لبث محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد أن أفضى لزوجه بمكنون صدره أن أخلد للنوم مرتاحا . ولكن أية راحة بعد اليوم ؟ فلئن نام في هذه الساعة فإن يقظة الحياة الحرّة الكريمة كلها متعلّقة به ، وآمالها معقودة عليه ، فإنه رسول اللّه إلى

--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام م 1 ، ص 253 - 254 .